وهبة الزحيلي
265
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
تعجلون في كل شيء ، ومن ثم تحبون العاجلة ، وتذرون الآخرة « 1 » . ثم أبان اللّه تعالى حال المؤمنين وحال الكافرين في الآخرة ، فقال : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ أي وجوه المؤمنين في الجنة حسنة بهية مشرقة مسرورة ، ترى ربها عيانا ، ووجوه الفجار في النار عابسة كالحة كئيبة ، توقن أن سينزل بها داهية عظيمة تكسر فقار الظهر . قال الأزهري عن مجاهد الذي فسر النظر بالانتظار : قد أخطأ مجاهد ؛ لأنه لا يقال : نظر إلى كذا بمعنى انتظر ، فإن قول القائل : نظرت إلى فلان ، ليس إلا رؤية عين ، فإذا أرادوا الانتظار ، قالوا : نظرته ، وأشعار العرب وكلماتهم في هذا كثيرة جدا . قال الزمخشري في قوله تعالى : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ : تنظر إلى ربها خاصة ، لا تنظر إلى غيره ، وهذا معنى تقديم المفعول ، فإنه يدل على معنى الاختصاص ، ثم رجح أن الآية تفيد معنى التوقع والرجاء « 2 » . وهذا منه بسبب كونه من المعتزلة الذين يقولون : لا يدل ظاهر الآية على رؤية اللّه تعالى ؛ لأن النظر المقرون بحرف ( إلى ) ليس اسما للرؤية ، بل لمقدمة الرؤية ، وهي تقليب الحدقة نحو المرئي ، التماسا لرؤيته ، فيكون نظر العين مقدمة للرؤية ، وتأولوا قوله تعالى : ناظِرَةٌ بمعنى أن أولئك الأقوام ينتظرون ثواب اللّه . وأجاب الرازي بأننا نسلم أن النظر عبارة عن تقليب الحدقة . . إلخ لكنا نقول : لما تعذر حمله على حقيقته ، وجب حمله على مسببه وهو الرؤية ، إطلاقا لاسم السبب على المسبب ، وحمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار ؛ لأن
--> ( 1 ) الكشاف : 3 / 293 - 294 ( 2 ) المرجع السابق : ص 294